ابراهيم بن عمر البقاعي

294

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

إِنَّ عَذابَ ولما كان سبحانه عظيم الإكرام له صلّى اللّه عليه وسلّم ، أضاف العذاب إلى صفة الإحسان والتربية الخاصة به ، وأضاف الصفة إلى ضميره إيذانا بأنه يريه في أمته ما يسره ، وإن مماثلة « ذنوبهم كذنوب أصحابهم » الماضين إنما هي في مجرد الإذلال ، لا في أنه يستأصلهم كما استأصل أولئك فقال : رَبِّكَ أي الذي تولى تربيتك أي عذاب أراده بكل من أراد به لا سيما المعادي لأوليائه سبحانه لَواقِعٌ * أي ثابت نازل بمن أراد نزول ما هو ثقيل من مكان عال كما أنه لو أراد لقلب الأرض التي ثبتها وأوقع السقف الذي رفع ، وأطلق البحر الذي سجر ، كما علم من إطلاقه البحر فلقه على آل فرعون حتى أغرقهم به ما لَهُ مِنْ دافِعٍ * لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من كمال قدرته وجلال حكمته وضبط أعمال العباد للمجازاة سواء قلنا : إن الكتاب هو الذي يكتبه الحفظة أو الذي يضبط الدين ، فلما أوقع الجزاء بهم في الصحيفة ، ونقض معاقدتهم ، وفض جمعهم ، أخرج معاشرك من ذلك الضيق فكذلك يؤيدك حتى توقع بهم وتنقض جمعهم وتكسر شوكتهم ونقتل سرواتهم ويظهر دينك على دينهم ، ويصير من بقي منهم من حزبك وأنصار دينك ، قال البغوي : قال جبير بن مطعم رضي اللّه عنه : قدمت المدينة لأكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أسارى بدر ، فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ وَالطُّورِ - إلى قوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فكأنما صدع قلبي حين سمعته ، ولم أكن أسلمت يومئذ ، فأسلمت خوفا من نزول العذاب ما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب « 1 » . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم ، المنبه على ذكرهم في السورة قبل ، ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [ الذاريات : 60 ] أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه - والعياذ به سبحانه من سخطه وأليم عذابه - فقال تعالى : وَالطُّورِ - إلى قوله تعالى : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبيه فقال فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم ذكر ما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته عليه الصلاة والسّلام إلى السحر فقال تعالى ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ سبأ : 42 ] أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4854 وأبو داود 811 من حديث جبير بن مطعم .